ابن المقفع

151

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

فليس للعمّال أمر ينتهون إليه ولا يحاسبون عليه ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعد ما يتأنّقون لها في العمارة ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم . فسيرة العمّال فيهم إحدى اثنتين : إما رجل أخذ بالحذق والعنف حيث وجد ، وتتبع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممّن وجده . وأما رجل صاحب مساحة ، يستخرج ممن زرع ويترك من لم يزرع فيعمر من عمّر ويسلم من أخرب ، مع أنّ أصول الوظائف على الكور لم يكن لها ثبت ولا علم وليس من كورة إلا وقد غيرت وظيفتها مرارا فخفيت وظائف بعضها وبقيت وظائف بعض . فلو أن أمير المؤمنين أعمل رأيه في التوظيف على الرساتيق « 1 » والقرى والأرضين وظائف معلومة وتدوين الدواوين بذلك ، وإثبات الأصول حتى لا يؤخذ رجل إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها ، ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها لرجونا أن يكون في ذلك صلاح للرعيّة وعمارة للأرض وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال . وهذا رأي مئونته شديدة ورجاله قليل ونفعه متأخر . وليس بعد هذا في أمر الخراج إلا رأي قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به ، ولم نره من أحد قبله من تخيّر العمال وتفقدهم والاستعتاب لهم والاستبدال بهم . ومما يذكر به أمير المؤمنين جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وما سوى ذلك أن يكون من رأي أمير المؤمنين إذا سخت نفسه عن أموالها من الصّدقات وغيرها أن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم لأن ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة التي قد رزق اللّه أمير المؤمنين وأكرمه بها من الرأي الذي هو بإذن اللّه حمى ونظام لهذه الأمور كلّها في الأمصار والأجناد والثّغور والكور « 2 » .

--> ( 1 ) الرساتيق : ( لفظة فارسية معربة ، ملحقة ) : معناها بالقرطاس ، واحدها رستاق ، والرّسداق البيوت المجتمعة ولا يقال رستاق . . ( 2 ) الكور : جمع كورة وهي البقعة التي تتجمّع فيها القرى والمساكن .